“أعياد الشتاء” دون أن يكون للاحتفال أيّ معنى

 

ثمة روايات تقدّم سرداً ودراما جيّدين، لكنها تفتقر إلى عناصر أخرى مثل اللقطات الذكية أو اللحظات الشاعرية. معظم الروايات المعاصرة الجيدة تعتمد أساساً على هذين العنصرين بشكل أساسي: لقطات ذكية ولحظات شاعرية. ويبقى شرط العظمة مفقوداً. هذا الشرط هو: السحر. أن يسحر العملُ القارئ. والسحر سرّ لا يفصح عن نفسه أبداً. مدرك وغير مفهوم. تشعره، ولا تستطيع عقلنته. تسعى نحو إيجاد تراكيب تمنحه المنطق. لكنه يظلّ هارباً أبداً من الاستنتاج النهائي. وقد شعرت بهذا السحر في رواية: “أعياد الشتاء”.

تقدم الروائية نغم حيدر شخصيّتيها المحوريتين، في مستهلّ تعريفنا بهما، ضمن مسارين متوازيين. مساران ينتميان إلى مدرستين مختلفتين من الأدب. ظهرت الثانية منها في مواجهة تعريفات سارتر للأدب وفلسفته عن الذات. ويتجلى إبداع الكاتبة في القدرة على التنقل بينهما في رواية واحدة. تغيّر الأسلوب بحسب الشخصية المتناولة، ويصبح لكلّ منها نبرتها الروحية المتمايزة، فاللغة في هذه الحالة لا تكتفي بثنائية الأسلوب والكاتب، بل تجسد ثلاثية: الشخصية-الأسلوب-الكاتب. فتندمج اللغة مع الشخصية بوصفها جزءاً طبيعياً منها، كما لو أنها عنصر بيولوجي منبثق من كيانها نفسه:

شهيناز، الشخصية الأولى. ينتمي السرد الخاص بها إلى نمط الرواية الجديدة. وفي هذا النمط تتصدر الأشياء المشهد السردي، لأن الذات مفقودة أو مفرغة، ولا تأثير لها في الأشياء. تعبّر الأشياء عن نفسها كما هي، مستقلة عن الرؤية البشرية لها، فتستعيد دهشتها الخاصة وتستنطق عمقها المتفرّد: “تخترع لكل شيء.. طقوس”. يبدأ هذا المسار بسردٍ شاعري عن مجسّم لغزال وضع في ساحة عامة استقبالاً للأعياد. الغزال حاضر، أما شهيناز فوجودها عابر. ندرك وجودها من خلال الأشياء. تصف الكاتبة الغزال والمحيط الخارجي وصفاً حياً وتفصيلياً، وعندما تتحدث عن شهيناز يصبح السرد سريعاً وعابراً: “ناورت كثيراً. تقلبت. تلونت. هربت وعادت. صعدت وهبطت. ماتت وعاشت”. ذلك لأن شهيناز لا توجد إلا في العابر، فهي ذات غائبة، وبلا جوانية بشكل نهائي. تقضي وقتها في الخارج، في الشارع. فالغرفة تمثل الداخل، انغلاقنا على أنفسنا، فلا تمكث فيها إلا للنوم. وفي تماسها مع الآخرين تتحوّل إلى شيء بالنسبة إليهم، إلى أداة من أجل وجودهم. فتصبح أداة جنسية صامتة للضابط العشيق. يمارس عليها الجنس، جنس سادي إلى أبعد حد، ولا يزعجها ذلك، بل يمنحها إحساساً عابراً بذاتها عندما يهبط السوط على جلدها، فتعبر حينها من اللاوجود إلى الوجود. وحين ينتهي يستخدمها كشاهدة على حياته، يحدثها عما يعيشه وما عاشه. ولا نسمع منها أي شيء. وبعد فراقها عن عشيقها، تعيش لحظات العبور تلك عبر ثقب جسدها: “تسلمها صفحة جلدها تطعنه”. أمّا مع صديقها القوّاد فهي بضاعته. الشخصية الوحيدة التي تبدي محبة حقيقية نحوها هي صديقتها في السكن “راوية”، فهي من تضع لها المكياج وهي التي تهتم بنظافتها وإلى ما هنالك من أمور تخص عيشها اليومي. فهي خالية من نفسها ومادة اهتمام لراوية. تتعدّد أسباب هذا الفقدان للذات: الحرب، والظروف الخاصة، ثم الغربة، إضافة إلى أثر العالم الحديث الذي يصيّر الذات إلى اغترابها.

أمّا المسار الثاني، فيبدأ بتصريح مباشر عن الذات: ” لا أحد يحب راوية، وراوية لا تحبّ أحداً”. وهنا ندخل في نمط السرد الوجودي، حيث الحديث حول الذات، عن راوية التي تقضي وقتها داخل غرفتها تتكشف فيها وعيها بنفسها وبجسدها. عن نفسها عبر الذاكرة وتأملاتها في وجودها، فتحدثنا عن نفسها وعن عائلتها. وعن جسدها عبر الثياب التي تشتريها وتعجز عن الارتباط بها، فتعيدها. وتعاين جسدها من خلال مرآتها حيث: “تقف راوية أمام المرآة بينما شهناز لا تنظر في المرآة أبداً”. تتأمل جسدها، وتتفحص ثديها إذ تراه: “لحم لصيق بالقلب”. جسد وروح. بينما ترى شهيناز الثدي كشيء ” جلد ولحم”.

في الحالة الأولى لا يوجد تمهيد في السرد ولا تسلسل، بل نسقط مباشرة في الواقعة ومنها إلى أخرى، ما يجعل السرد غريباً وفريداً. كما يجعله صعباً، إذ يتطلب من القارئ تمثّلاً للشخصية وتتبعها كمن يسكن داخل فراغها ويسهم في سرد المشهد الذي تعيشه. في المسار الثاني السرد أكثر تقليدية، راوية تعبر عن نفسها بنفسها. وبهذا نعيش مع شهيناز فراغها وامتلاء الأشياء من حولها، ومع راوية صراعاتها الذاتية.

تقضي الشخصيتان برفقة فهد القوّاد ليلة الاحتفال معاً في الخارج: “دون أن يكون لكل هذا الاحتفال أيّ معنى، حقيقة، لدى الثلاثة”. عنوان الرواية، إذا كان لعناوين الروايات أن تعني أي شيء، وهذا ليس بالضروري، فهو مرتبط بهذا اللا معنى للاحتفال. وتنحو بعد الاحتفالات الرواية نحو نهايتها، فتجد راوية فكاكاً لصراعاتها وتأملاتها الذاتية في الحب، حب لا يكتمل. لكنه يمثل حلاً- كما في كثير من الروايات الوجودية- حلولاً غير مكتملة سواء أكان عبر وعي الشخصية بذاتها أو عبر عيشها لحظة جمالية أم عبر الحب. هي مخارج للذات من أزمتها الوجودية. ويظل الحب، رغم النظرة المغلوطة إليه بوصفه حلاً رومانسياً لا وجودياً، وهو بالنسبة إليّ الأكثر وجودية والأكثر جذرية، إذ يشمل الوعي والجمال ومفاهيم أخرى كثيرة في طياته. أمّا شهيناز، فلكي تتخلص من التصاقها بالآخرين، وجدت رابطاً مع الشيء الذي تحبّه: مجسم الغزال الذي كان في ساحة الاحتفال. فانتهت إلى وشمه في مقدمة كتفها، ليصبح الغزال جزءاً منها. الغزال الذي تأمل من خلال حضوره الدائم على جسدها أن يمنحها إحساساً بوجودها.

‎مؤخرة الموقع

‎القائمة الجانبية المتحركة