رواية صغيرة (90 صفحة) لكنها تمثّل عالماً كاملاً: حرب، نهاية البشرية، الآلهة، الحياة، تناقضات المفاهيم واختلافات الرؤى بين الجماعات، التأثر ونتائجه، وليس آخِر ذلك التقنية. يبدأ السرد من النهاية من فناء البشر حين يقتل المقاتلان الأخيران في هذا العالم بعضهما بعضاً، ومن ثم سرد كيف وصلت البشرية إلى هذه النهاية. الخيال الذي نجده عند سليم بركات نادر جداً. ويضاف إليه التلاعب بالألفاظ لتحميل الكلمة معاني متعددة والغنائية الشعرية في النثر ليتحوّل خياله النصي إلى: خيال الخيال. وهذا يجعل الكلام عن رواياته صعباً. وهو يتقصد من كلّ بد أن يزيد الأمر صعوبة، فيجعل النص يهرب من كلّ إمساك. فإذا كان النقد يعني اقتطاف زهرة من الحياة الكامنة في النص وتقديمها لقارئ آخر، فإن سليم يجعل هذا الفعل صعباً حد الاستحالة، فهو يريدك أن تعيش التجربة وتعيد عيشها كل مرة في فهم مختلف. فتشير لنفسك إلى معنى ما، لتظهر دلالة جديدة يبعث فيك فهماً جديداً، لتعيد كل شيء من جديد.. وقد تظهر دلالة أخرى وأخرى وهكذا بلا حدود كخيال بركات..وهذا لا يعني أن ثمة معنى ينهي آخر. أبدا، فالعالم النصي الذي يبنيه بركات مفتوح على الاكتشاف. فهو ينتهك كل تمثيل نهائي.. ليفاجئك بعبور جديد نحو معنى آخر، ثم يزيحه مؤقتاً نحو آخر.. فالنص البركاتي هو عملية لا نهائية من تركيب المعنى وتشتيته، لإفساح المجال لاحتمال آخر دون أن يُسقط أيٍّ من السابق. إطاحة متواصلة لكل تحديد لأجل تعدد المعنى. فالتماثيل في هذا النص، على سبيل المثال، يمكن القول إنها تمثل الآلهة ويمكن أن تُقرأ بوصفها تكنولوجيا.. أو كلاهما، فهي تخدم غرضين مختلفين في وقت واحد .. يمكن إضافة غرض ثالث ورابع للتماثيل مع إضافة تفاعلاتها مع العالم المحيط بها..