صحيح لا يوجد ذكر لأدونيس وسليم بركات في لوائح توقعات نوبل هذه السنة. لكن التذكير بهما في هذا الوقت يأخذ بعدين: الأول التأكيد على وجود عبقريات محلية، والثاني منح تقدير شعبي لهذه العبقريات. وغير هذا وذاك فإن وجودهما أشبه بوجود المعري أو حنا دياب أحياء بيننا. هناك مشتركات في أدب الاثنين كلاهما يملكان إحساساً عميقاً بالتقاليد الأدبية وإلماماً واسعاً بالتراث الأدبي. وكذلك لغتهما تجمع بين التراث والحداثة. أدونيس أشد ارتباطاً وإخلاصاً للآداب القديمة من خلال تقديم دراسات وكتب عنها، كما أنه يؤكد على قدم التراث وعصريته في وقت واحد، وهذه إشكالية. سليم يستخدم التراث في أدبه دون أن يقدمه بشيء خاص في ذاته أو حتى ذكره، يظهر الصمت حياله وهذه شخصية. كلاهما يتحدثان عن اللغة وضرورة الإلمام الكامل بها قبل البدء بالكتابة، الإلمام بها وتجاوزها، عبور حدودها. باللغة يعبر أدونيس عن المعنى المستقر ويخلق احتمالات التغيير. سليم يتجاوز حدود اللغة داخل النص وتصبح معه العلاقة بين النص واللغة والواقع أكثر اضطراباً ويصل به الحد إلى كركبة الأحرف نفسها، فنراه يراكم الأحرف ليخرج بكلمات وأسماء تجعل القارئ يضطرب وفي أحيان ينفر. وهنا أول اختلاف بينهما، كلاهما يؤمن باللغة وقدراتها، لكن لغة أدونيس امتداد من التراث إلى الحداثة وبقي متورطاً في الحداثة والتغيير ولم يتجاوزها حتى ولو حاول مع التصوف كنزعة مابعد حداثية، لكنها ليست كذلك. أمّا سليم فيدفع بإمكانات التراث إلى الحداثة إلى ما بعد الحداثة في ألعابه اللغوية والتجريد وتقديم الأساطير. وكذلك الأمر مع الطبيعة، كلاهما يحبّان الطبيعة لكن أدونيس يحتضنها ككل واحد. أما سليم يحتضنها ويجعل منها نقطة نقد للتقنية، شيء أنتي حداثي. وهذه الاختلافات تجعل سليم أقرب إلى نوبل افتراضياً. لأن أدونيس حافظ على خطه الحداثي بينما أدب سليم يحتوي على سمات ما بعد حداثية، والجائزة في الأعوام الأخيرة هي من نصيب أدباء ما بعد الحداثة أو ما بعد بعد الحداثة. نقطة أخيرة مع إصدار إيثاكا بركات. يكون كلاهما أختارا من هوميروس رحلته الخاصة، ادونيس قدم كل فلسفته في كتابه “أدونيادا” وهي الإليادة الخاصة به، أمّا سليم فأخذ من هوميروس أوديسته وقدم ايثاكا الخاصة به. وحتى في هذه الإلياذة بشكل متجاوز نستطيع أن نعدها على الحداثة بينما الأوديسة ورحلة العودة تحمل ما بعد الحداثة. ويبقى لكلّ رحلته الهوميروسية الخاصة به.